fbpx

اﻹنسان كائن معقد أكثر مما نتصور، وعندما نختزله في حاجاته المادية فقط، نكون قد ارتكبنا أكبر خطئية منهجية تبعدنا عن فهم هذا الكائن الذي هو سيد الكائنات.
إن أهم ما في اﻹنسان هي تلك النفخة الربانية التي جعلته مستودع اﻷسرار اﻹلهية وأهلته لتلقي الوحي عن الله، ليكون الإنسان هو الخليفة الذي مكنه الله من كل شيء، وجعل الملائكة المكلفة بتسيير الكون ساجدة له خادمة لتوفير احتياجاته.
إذا عرفنا مكانة اﻹنسان فإننا ندرك أن كرامته عند الله أكبر مما يتصور هو نفسه، ويكفي أنه محاط بحفظة كاتبين ينظرون شفتيه ما تقول ويديه ما تفعل ورجليه أين تذهب ويدونون كل ذلك كما يدون المؤرخون أخبار الملوك ومراسلاتهم وأقوالهم.
من هذه الكرامة ما أودع الله في المرأة وهي أم من ينابيع الرحمة والحنان حيث يوفر له من خلالها شلالا من الرحمة يقدم له كل ما يحتاج إليه لينمو بدنه وعقله ونفسه، فالحليب الطازج والحضن الدافئ والصوت الرخيم واليد الحنون والقلب الوجل الذي يحس بجوعه ويحس بألمه ويطرد النوم عن عين الأم كلما احتاج هذا اﻹنسان الصغير إلى مزيد من الرعاية والملاحظة، حتى لكأن الأم مؤسسة كاملة ساهرة على راحة ذلك اﻹنسان الذي هو نفخة الله، فعلى الكل أن يستعد فهناك خليفة يتهيأ ليكمل مهام الخلافة التي من أجلها خلق ومن أجلها خلقت السماوات واﻷرض.
إن حاجة الطفل إلى هذه الأم، وحاجة اﻷم إلى أن تقوم بهذا الدور هي أعلى ما ينبغي للمجتمع البشري أن يحفظه ويحافظ عليه، هذه العملية المعقدة التي تربط شخصين إلى حدٍّ يكون الشعور بينهما مشتركا، حتى لكأن قلب الأم نصفه في صدرها ونصفه اﻵخر في صدر طفلها، ولذلك كان فقدها في حياة الطفل مصيبة لا تعدلها مصيبة، واستحق الطفل بسببها هذا الاسم الذي يعتبر رمز المعاناة اﻹنسانية: اليتيم.
إذا أردنا أن نفكك معاني هذه الكلمة فهي تتلخص في ذلك الشعور بالضياع الذي يحسه الطفل حين يفقد أمه، فيتغير عليه كل شيء، ويخرج من دائرة الطمأنينة التي كان يشعر بها معها إلى دائرة الخوف والشك والقلق، ولذلك يطلق الطفل بكاء لا يكاد ينقطع إلى أن يلتئم بذلك الجزء الخارجي منه ويضع رأسه في المكان الذي يسمع فيه دقات قلب أمه ويشم ريحها فيهدأ حينما تتسلل إلى أذنه أنغامها وإلى رئتيه نفحاتها، فيكون ذلك المشهد اﻹنساني الباهر والذي تتجلى فيه رحمة الله التي هي جزء من تسع وتسعين جزءا من رحمته.
إن ابتعاد الطفل عن أمه قسرا بشكل يومي جزءا كبيرا من النهار من الصباح إلى المساء، هو نوع جديد من اليتم فرضته الرأسمالية البشعة التي لا ترى في المرأة إلا يدا عاملة رخيصة القيمة، فتسحبها اﻵلة الرأسمالية عنوة من بين ذراعي طفلها وترمي بها في أتون المصانع، لتبقى في شعور من القلق يجعلها كاﻷسيرة التي تنتظر متى تتحرر من ذلك اﻷسر لتعود إلى طفلها، وأي طفل؟ إنه يتيم يتقلب بين النساء، خادمات أو مربيات أو موظفات في ملاجئ اﻷطفال التي توفر الطعام والشراب واﻹلهاء، حتى يصل إلى مرحلة ينسى معها من هي أمه حقيقة، بعد أن يفقد ذلك اﻷمل المتكرر في أن تأتي تلك اﻷم التي يشعر معها بذلك الشعور الذي لا يعرف ما هو، لكنه يعرفه تمام المعرفة، إنه الشعور الذي يجعل كل أعضائه في حالة من الأمان والاستقرار، لكنه مع المدة يفقد ذلك اﻷمل، بكثرة ما انتظر وانتظر، حتى يتحول إلى حالة من التبلد في مشاعره كي يستطيع التعايش مع القلق والتوتر، فيألف الخوف ويعتاد ذلك الفراغ، وينشأ نشأة مشوهة تنشأ معها هذه اﻷزمات النفسية التي أصبحنا نراها بكثرة في أطفال اليوم والسبب الرئيسي فيها هو هذه الحالة الجديدة التي فرضتها الرأسمالية، حيث يعيش الطفل يتيما وأمه لا تزال على قيد الحياة.
إن أهم حق من حقوق الطفل أن ينال رعاية أمه 24 ساعة في اليوم 7 ايام في اﻷسبوع، وإن حرمان الطفل من هذا الحق هو جريمة ينبغي أن يعاقب عليها القانون، تماما كما يعاقب على جريمة استخدام اﻷطفال تحت السن القانونية، فكما لا يجوز استخدام الأطفال لا يجوز استخدام أمهاتهم، وكما نطالب بحق الطفل في العيش الكريم، يجب أن نطالب بحقه في أن يحظى بأمومة كاملة، وأي عيش لا تتحقق فيه هذه الاحتياجات الضرورية للإنسان هو عيش غير كريم.
لقد حان الوقت لكي نعتبر كل أم ترمي طفلها في الملاجئ أما في حالة معاناة، هذه المعاناة التي فرضها الواقع الجديد الذي أصبحت المرأة فيه تفرط في فلذة كبدها وتعتصر ثديها في حمامات المصانع كي لا يحتبس الحليب في ثديها، هذه الحالة هي معضلة اجتماعية يجب أن نسعى في إيجاد حلول مناسبة لها، وعلى الدولة إن كانت حريصة على رقي المجتمع، أن توفر للمجتمع أهم ضرورات العيش، وعلى رأسها اﻷم المتفرغة لممارسة أمومتها كما تفرضها الحاجة الفطرية للإنسان، وإلى أن يتحقق ذلك ستبقى اﻷم في معاناة، وسيكثر بيننا أيتام الرأسمالية الذين يتألمون بيننا في صمت.

شارك هذا المنشور

تعليقات

  • علياء محمد رد

    لا نضب لكم قلم أستاذ حامد
    بوركتم
    رأيي من رأيكم، لكن للأسف لا أجد من يشاركني الرأي في محيط و إن تحدثت أُلامُ بعدم فهمي للعصر و متطلباته، حتى أنني لم أعد أدري هل أنا من التي على صواب أم هم..
    اللهم هيئ لنا من أمرنا رشدا

    يونيو 8, 2021 at 10:45 م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *