fbpx

الحمد لله

الذي شرع التوبة لعباده

ومحى عنهم السيئات،

بل لم يمحها وإنها أبدلها لهم حسنات،

والصلاة والسلام على محمد العظيم،

صاحب الوجه الجيمل والخلق الكريم،

القائل ونعم الفم ونعم الكلام (التائب من الذنب كمن لا ذنب له ) وبعد:

سأتكلم عن أخوات يعشن بيننا، يسبقننا إلى المساجد وحلقات طلب العلم، يفتننا في الإيمان والعمل الصالح، يسارعن إلى الخيرات غير منثنيات، قد تركن لله كل شيء، وتخلين في سبيله عن كل ملذات الدنيا وشهواتها، يسعى نورهن بين أيديهن وأيمانهن، لو اختار الشاب من بين نساء الدنيا فلن يجد خيرا منهن، خلقا وصدقا وانكسار نفس وإخلاصا في التبعل وخدمة الزوج.

إلا أنهن قد حرمن الموجه الناصح منذ صغرهن، فابتلين بأب مضيع، ومجتمع فتاك، ومدرسة ماخور، ففعلن مثل ما فعل أقرانهن، ووقعن فيما وقع فيه أترابهن، وولغن فيما ولغ فيه المجتمع من حولهن، ثم مسّتهن يد الرحمة، وتداركتهن يد المغفرة، فحبسن أنفسهن انحباس الخيل الحرون، وشاهدن من لطف الله ما جعل الحياة تقف عند ذلك الزمن وعند ذلك المكان، فانتهين إلى ما وصلهن وآمن بالله وبوعيده وبجنته وبناره، فكرهن تلك السقطة وما تلاها، وعفن تلك الفعلة ومن تولاها، وأقبلن تائبات قانتات عابدات سائحات،،، لكن ثيبات.

وقد كان زميلها في المدرسة أشد منها انحرافا، وأكثر منها زيغا وضلالا، قد جرى في شبابه خلف كل شهوة، ومارس في انحرافه كل نزوة، ولم يترك بابا من المعاصي إلا طرقه، ولا دربا من الفسوق إلا سلكه، وحين شبع من تيهه، وانتهى من عربدته، وصار يفكر في الأسرة والأبناء، ولربما طالت في ذلك الحين لحيته، وابيضت لبسته، وتعلم كلمات يرددها، وتظاهر بالصلاح والإصلاح، فتُعرض عليه مثل هذه الفتاة، وهي خير منه ديانة، وأصدق منه توبة، وأطيب منه قلبا، وأقل منه جرما، وأقدم منه توبة، تصارحه بأمرها، وتناجيه بخطئها، وتسر إليه بذلك الحديث وكلها خوف وقلق وكأنما تمشي فوق لغم قد ينفجر عليها في أي حين، فإذا هو سمع ذلك منها، نفر كأنه رأى جيفة، ونسي بالأمس سهراته الصاخبة، وضحكاته العاتية، ثم يلقي عليها باللائمة وينصرف إلى بيته مسرورا…

أيها الأخ، اسمع مني هذه الكلمات، واعقل عني هذه المعاني، فإنها من القلب إلى القلب، وإنها لصرخة أصرخ بها بالنيابة عنهن: أين العدل في هذا ؟ أليس يقوم ديننا على العدل؟ فمال الرجل إن تاب تاب الله عليه، ومال المرأة إن تابت لحقها الجرم إلى يوم القيامة؟

أولا: هذه الفتاة التي علمت بأمرها، وشاهدت حالها، وحملت سرها، هي أختك في الإسلام، وقد أمرك الله بالستر عن المسلم فقال : (من ستر عن مسلم ستره الله في الدنيا والآخرة) فإن أنت وجدت فيها ما يسرك من أمر دينها وخلقها وخلقها، ولم يكن إلا هذا الغلط الذي تابت منه، والذنب الذي تركته وراء ظهرها، فلا تؤاخذها بما لم يؤاخذك به الله، ولا تعاقبها على ما لم يعاقبك عليه الله، فلو شاء لهتك سترك، وجعل لك علامة مميزة يعرف الناس بها أنك زنيت، فما دام قد ستر الله عليك وجعلك بين الناس تمشي رافع الرأس مطمئن البال، فارفع رأسها رفع الله رأسك، واستر عيبها ستر الله عيبك، فكلاكما تائب وكلاكما قد اقترف الذنوب، فتزوجها وقل: يارب قد سترت أمة من إمائك فبارك لي فيها، واسترني بها في الدنيا والآخرة، واجعلها قرة عين عوض ما تحمّلت من أمرها وكتمت من سرها في سبيلك وحدك، فأنت الكريم الذي تجازي على المعروف، والحليم الذي تحب التوابين وتحب المتطهرين.

ثانيا: إن الله عز وجل قد أحب توبتها، وقد فرح بذلك التوبة فرحا عظيما، كما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (إن الله ليفرح بتوبة عبده) فما دام الله قد فرح بتوبتها، فافرح بها أنت كذلك، واعلم أن ربها سيفرح بإتمام ستره عليها بأن تسترها كما سترها، وتتحمل ذلك لأجل الله عز وجل على ما تجده من ثقل في نفسك وعلى ما تراه من نقص في اختيارك، وهذا لن يكون جزاؤه عند الله هينا، بل بركة في العيش، وسترا في الدنيا والآخرة، فإننا نعلم من صفات ربنا أنه حميد، يحمد الفعلة فيجازي عليها بما لا يتوقع المتوقعون، وما لا يدركه المدركون، وتصور أن الخلق عيال الله، وهذه الفتاة من خلق الله، فكما سيكون فرح أبيها بسترك عليها، كذلك سيفرح ربها وخالقها بذلك فرحا أشد، ولله المثل الأعلى.

ثالثا: ما يدريك أن توبتك قد قبلت، وأن ذنوبك قد غفرت، وما يدريك أن الله قد رضي عنك وقد فعلت في بنات المسلمين ما فعلت، فهتكت الستور، واعتديت على الأعراض، وفرشت هذه ذات اليمين وفرشت تلك ذات الشمال، فبما هتكت من الأعراض استر هذا العرض، وقل يارب ، قد سترتها وسترت أباها وسترت أمها وإخوانها، فاجعل ذلك في مقابل تلك الذنوب الكبيرة، والأعمال العظيمة، إذ كنت أقدم وأنا معرض عنك غير مكترث بك، فأفتك بالفتاة كأنني زوجها، فكم اعتديت على أب يكدّ في عمله كي يوفر لها أجرة التعليم، وأم تكدّ في البيت كي تجهز لها الطعام، وكلّهما أمل في أن يريا ابنتهما أما، وأن يوصلاها إلى بيت الزوجية بأمان، ثم أتيت أنت كالذئب التقم الشاة على حين غفلة من أهلها…

قل: يارب كم هتكت من هذه الأعراض، وكم تجرأت على تلك المخاطر، وها أنذا يارب أستر أسرة كاملة، وكما هدمت بالأمس بيوتا ها أنا أبني بيتا، وكما فضحت بالأمس بنات وهتكت أستارهن، ها أنا يارب اليوم أستر هذه التائبة، وأحصن هذه الضعيفة، فاجعل هذا في مقابل ذاك، وها أنت قد فزت بزوجة وغنيمة، زوجة تسرك وترضيك وتراك منقذا لها بعد الله عز وجل، وعمل صالح عظيم مكافئ لأعمالك السابقة ربما ينفعك بين يدي الله عز وجل، فالله يقول ((إلا الذين تابوا وأصلحوا)) وها أنت بعد توبتك تصلح إصلاحا عظيما في المجتمع، نسأل الله أن يتقبل منك.

رابعا: إنك لا تدري وقد أحدثت من قبل ما أحدثت، وفعلت من قبل ما فعلـت، أن يبتليك الله بمن تظهر الصلاح وتبطن الفساد، تتلون لك كأنها ولية من أولياء الله، ثم تأتيك في كامل عذريتها وبكارتها، قد أحسنت الطبيبة ترقيعها، وأتقنت سترها، فتأخذها مغتبطا تقول في نفسك: بعد كل ما فعلت، ها أنذا أتزوج بكرا لم يممسها أحد قبلي، وفي الحقيقة إنك أخذت أخطر الفتاتين، ونلت أخسر الصفقتين، فتلك المسكينة التي صارحتك ولم تشأ أن تخونك، كان يمكنها أن تفعل ذلك، ووالله لئن فعلته فإن عندها من الله عذرا، ومع ذلك قد آثرت الصدق واختارت البيان ولم ترض أن تغشك أو تستضبعك، وهذا والله دليل صدق توبتها، ونقاء سريرتها، ثم رددتها كأن بها البرص، ورميتها كأنها نطيحة أو متردية، وما هي إلا نتيجة فعل أمثالك من المستهترين، فلا تأمن من مكر الله، ولا تتخل عن مؤمنة صادقة قد خبرت صدق إيمانها، وسألت عنها القاصي والداني فكلهم شهد لها بخير.

إن البلاء الذي يعيشه مجتمعنا لهو أخطر مما نتصور، وإننا قد كنا سببا في ما وصل إليه المجتمع، وساهمنا بجزء من هذا الدمار الذي وصل إليه الحال، فيجب أن يكون لنا دور في المساهمة في إنقاذ من صدقت توبتهن من هؤلاء الضعيفات، اللواتي لم يجدن أبا صارما وأخا حازما، وفي المقابل وجدنك أنت وأمثالك ممن يبيعون الهوى في ملتقيات الدروب، فتذكر حالك وأنت واقف تلك الوقفة، وتنظر تلك النظرات، وتضحك تلك الضحكات، قد طليت رأسك بالمراهم، وزينت صدرك بالطلاسم، وحككت وجهك بالمنظفات والملينات، ثم تبعتها تلقي عليها الكلمات، تتلون في مخاطبتها، وتستجيد في العزف على أوتار قلبها، ثم لم تستسلم لرفضها، بل انتظرت الأيام تلو الأيام، وشكوت لها ما تجد من لوع الهوى وحرقة الشوق، وأنك لولاها لكنت من الهالكين، إلى أن صدّقت المسكينة تلك الابتسامة، ورحمت ذلك الضعف، وتصورت أنك تنقلها إلى من عالم الخيال إلى عالم الحقيقة، فأوت إلى فراشها تفكر فيك وفي كلماتك وفي ضحكاتك، بينما أنت تمشي وراء أخرى تقول لها نفس الكلام، وتمارس عليها نفس الفن، وتسلك معها نفس الدرب، ثم واتتك الظروف، واستغللت ذلك الضعف، فبحثت عن الشقة وسعيت في ترتيب أمرك، ثم فكرت وقدرت، ثم عبست ونظرت، ثم عزمت وأقدمت، ثم هددت ووعدت، حتى نلت ما تريد، واقترفت ما لطخ جسدك ولوث يديك، وها أنت اليوم تريد أن تتحمل هي وحدها تبعات هذا المجتمع المائع، وتتألم وحدها لما آل إليه حالها وحال زميلاتها من التائبات…

أخي الكريم: أما إن كنت ممن نشأ في طاعة الله، ومن حباه الله بجسد نقي وقلب طاهر، فلك العذر في أن تتخلى عن حمل هذه المسؤولية، وتقول، ليس لي من تحمل هذا الأمر شيء، فلم أسع فيه بخيل ولا ركاب، ولم أقترف إثما أتحمل تبعته، ولم أهتك عرضا كي أتحمل ستر عرض في مقابله.

أما أنت أيها التائب، فعليك أن تتحمل شيئا من ذلك في سبيل الله، فأقبل إن وجدت فيها ما تريد من الجمال والدين، وتوكل على الله، ثم إن وجدت بعد ذلك أن تطلقها فلا حرج عليك بعد أن سترت عيبها وأصلحت من حالها، أصلح الله من حالك. ولربما وجدت فيها من الانكسار والطاعة وخدمة الزوج ما لم تجده في غيرها، ولربما كانت سببا لسعادتك، وحجة بين يديك أمام الله عز وجل، أنك سترت على أمة من إماء المسلمين لا تبغي بذلك إلا وجه الله، ولا ترجو إلا أن يغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، ويتم نعمته عليك…

فاللهم استر كل من ستر مؤمنة، واكتب له ولها الخير في الدنيا والآخرة . آمين

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *